يمثل أتاي النعناع المغربي جوهر الهوية التراثية وعنوان الوفادة والكرم في كل بيت، إذ يتجاوز كونه مجرد مشروب دافئ إلى طقس اجتماعي تتوارثه الأجيال بكل فخر واعتزاز. تتجسد في هذا الإكسير الأخضر روح الأصالة، حيث يجتمع حول صينيته الفضية الأهل والأحباب لتجاذب أطراف الحديث ومشاركة لحظات الدفء العائلي. يمنح الشاي الأخضر الممزوج بأوراق النعناع الطازجة حيوية وانتعاشًا استثنائيين، فضلًا عن احتوائه مضادات أكسدة تسهم في دعم صحة الجهاز الهضمي، كما توضح أبحاث فوائد الشاي الأخضر. تحرص ربات البيوت على إتقان أدق تفاصيله لضمان خروج تلك الرغوة الكثيفة المميزة التي تعكس براعة الصانع، مما يجعل من فنجان الشاي لوحة مكتملة الأركان تجمع بين المذاق الغني والتقاليد العريقة.
١- مكونات أتاي النعناع المغربي
تتطلب صناعة هذا المشروب التقليدي مقادير موزونة تضمن التوازن المثالي بين المرارة اللطيفة للشاي، وحلاوة السكر، وانتعاش الأعشاب:

- ملعقتان كبيرتان من حبوب الشاي الأخضر من صنف “البارود” عالي الجودة.
- حزمة وافرة من أوراق النعناع الطازج، مغسولة ومجففة بعناية فائقة.
- أربع ملاعق كبيرة من السكر الصلب أو قطع السكر التقليدية بحسب الرغبة.
- لتر واحد من الماء المغلي النقي لضمان استخلاص النكهات دون شوائب.
- باقة اختيارية من نبات “الشيبة” أو أعشاب عطرية مثل اللويزة خلال فصل الشتاء.
٢- طريقة تحضير أتاي النعناع المغربي
تعتمد جودة النتيجة النهائية على الالتزام بتسلسل خطوات التحضير بدقة متناهية ومن دون استعجال:
- يوضع الشاي الأخضر داخل الإبريق الفضي التقليدي ويُسكب عليه كوب صغير من الماء المغلي.
- يُترك السائل ثوانٍ معدودة داخل الإبريق ثم يُفرغ في كأس ويُحتفظ به جانباً وتسمى هذه الخلاصة بـ “الروح”.
- يُسكب كوب ثانٍ من الماء المغلي على الحبوب داخل الإبريق ويُحرك جيداً ثم يُتخلص من هذا الماء لغسل الشاي وإزالة الشوائب والمرارة الزائدة.
- يُعاد كوب “الروح” الأول إلى الإبريق، ثم يضاف الماء المغلي المتبقي ويوضع الإبريق فوق نار هادئة حتى يصل إلى درجة الغليان.
- يُرفع الإبريق عن النار بعد تصاعد البخار، ثم تُضاف أوراق النعناع الطازجة المغمورة كلياً مع قطع السكر لمنع احتراق الأعشاب وتغير لونها.
- يُخلط المشروب عبر سكبه في كأس ثم إعادته إلى الإبريق وتتكرر هذه العملية مرتين لامتزاج السكر وضمان تجانس المذاق.
٣- أصول التقديم وإتيكيت الصب
تعتبر طريقة سكب المشروب جزءًا لا يتجزأ من فنون الضيافة، حيث يُرفع الإبريق عالياً فوق الصينية الفضية أثناء ملء الكؤوس الزجاجية المزخرفة. يولد هذا الارتفاع تدفقًا هوائيًا يصنع طبقة كثيفة من الفقاعات تسمى محلياً “الرزة”، وهي العلامة الدالة على نجاح الإعداد وبراعة الصانع. تكتمل الجلسة بتقديم تشكيلة من الحلويات العريقة.

٤- دلالات ثقافية وقيم اجتماعية
يحتل أتاي النعناع المغربي مكانة مركزية في النسيج الاجتماعي، إذ يبدأ به النهار ولا ينتهي دونه لقاء أو احتفال. تتجلى في جلسات إعداده قيم التآلف والترابط الإنساني، حيث تخصص العائلات أوقاتًا محددة بعد العصر أو عقب وجبات الغداء للجلوس وتجاذب أطراف الأحاديث الودية. ترمز صينية النحاس بأوانيها المتناسقة إلى الترحيب الخالص بالزائر، كما يحفظ هذا الطقس اليومي ذاكرة حية من العادات التي ترفض الاندثار، مؤكدة أن بساطة الأعشاب الطبيعية تصنع أعظم الروابط الإنسانية وأعمقها أثراً في النفوس.
يظل أتاي النعناع المغربي سفيرًا دائمًا للحضارة المغربية ورمزًا لا يغيب عن موائد الكرم في كافة المناسبات. يجمع هذا الإرث بين البساطة والإتقان، ويمنح كل رشفة طعماً يأسر الحواس ويحمل عبق التاريخ. تضمن المحافظة على هذه الأصول الدقيقة في الغلي والسكب بقاء نكهة البيت دافئة ومتميزة، لتبقى تقاليد إعداد الشاي منارة مضيئة تبرز جمال العيش المشترك وأصالة الضيافة العربية عبر مر العصور.



