الشيف أنطونيو الخوري يأخذنا إلى عالم الأجبان الأمريكية

لم تعد الأجبان مجرد مكوّن إضافي في السندويشات أو الأطباق التقليدية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تجارب الطهي الحديثة، بفضل تنوع أنواعها واختلاف خصائصها من حيث النكهة والقوام والقدرة على الذوبان. وفي هذا السياق، تبرز الأجبان الأمريكية بوصفها مساحة واسعة للتجربة والابتكار، إذ تجمع بين الخبرات الأوروبية العريقة في صناعة الجبن والمرونة التي تتيح توظيفها في مطابخ وثقافات غذائية مختلفة.

وفي حوارنا مع الشيف أنطونيو الخوري، الشيف اللبناني ومدير برامج الطهي – مجلس تصدير الألبان والأجبان الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نتعرف إلى تطور هذه الصناعة في الولايات المتحدة، وأبرز أنواعها واستخداماتها، وكيف يمكن دمجها في الأطباق العربية مع الحفاظ على هويتها ونكهاتها الأصيلة، إلى جانب نصائحه للطهاة المحترفين ومحبي الطهي في المنزل. فمن جذور صناعة الجبن الأوروبية إلى ابتكارات المطبخ المعاصر، يسلط الشيف الخوري الضوء على عالم الأجبان الأمريكية وإمكاناتها في إثراء المائدة العربية.

 https://www.instagram.com/cheesefromtheusa.me/

كيف تصف الخصائص المميزة والتنوع الذي تتمتع به الأجبان الأمريكية لجمهور قد يكون أكثر ألفة بالأنواع الأوروبية؟

بدأت صناعة الأجبان في الولايات المتحدة مع المهاجرين الأوروبيين الذين قدموا من دول أوروبية مختلفة، مثل إيطاليا وفرنسا وسويسرا وإسبانيا وغيرها، واستقروا في مناطق أمريكية تتمتع بخصائص طبيعية مشابهة لبلدانهم الأصلية، فيما يُعرف بمفهوم المناخ والأرض المحلية (Terroir)، وهو مجموعة الظروف الطبيعية المحددة التي تشمل التربة والمناخ والتضاريس والنباتات المحلية والكائنات الحية الدقيقة وغيرها. وقد أتاح لهم ذلك إنتاج أنواع الجبن نفسها التي اعتادوا صناعتها في أوطانهم، مستخدمين المعارف والخبرات والتقاليد ذاتها في تلك الصناعة. لذلك، كانت أولى أنواع الجبن التي أُنتجت في الولايات المتحدة هي الموزاريلا، والغودا، والبري، والغرويير، والمانشيغو، والشيدر وغيرها.

تستند هذه الصناعة في أمريكا إلى الخبرات والمعارف الأوروبية في هذا المجال، لكنها غير مقيدة بتلك التقاليد؛ إذ لا تُطبّق في الولايات المتحدة قواعد تسمية المنشأ المحمية (PDO)، ما يفتح المجال أمام مزيد من البحث والتطوير والابتكار. ويحدث ذلك مع الالتزام باللوائح الصارمة للجودة والسلامة الصادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) وإدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، بما يضمن إنتاج أجبان عالية الجودة وآمنة للاستهلاك في مختلف أنحاء العالم. واليوم، تنتج كل ولاية أمريكية الأجبان، ما يجعل الولايات المتحدة أكبر منتج للجبن في العالم، وأكبر دولة منفردة من حيث تصدير الأجبان عالميًا.


كيف يمكن إدخال الأجبان الأمريكية في المطبخ الشرق أوسطي مع الحفاظ على أصالة النكهات التقليدية؟

تتميز الأجبان الأمريكية بمرونة كبيرة، ويمكن إدخالها في مختلف أنواع المطابخ. وتأتي الأنواع الأمريكية الأصلية، مثل مونتيري جاك (Monterey Jack)، وبيبر جاك (Pepper Jack)، وكولبي (Colby)، وكولبي جاك (Colby Jack)، والجبن الكريمي (Cream Cheese)، في مقدمة هذه الفئة؛ إذ يمكن إضافتها إلى أي طبق من دون المساس بهويته الأصلية وأصالته.

وبصفتي مدير برامج الطهي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أستمتع بالتعاون مع الطهاة للارتقاء بالأطباق المحلية والإقليمية إلى مستوى جديد باستخدام الأجبان الأمريكية، من دون التخلي عن جذور تلك الأطباق.

فعلى سبيل المثال، يمكن استخدام جبن بيبر جاك مع كبسة الفريكة السعودية لإضافة قوام كريمي وجبني إلى الطبق، مع الاستفادة من فلفل الهالابينو المخلل الموجود في الجبن لمنحه لمسة حارة. ويمكن أيضًا إضافة جبن كولبي جاك إلى المسخّن بالدجاج لمنحه قوامًا أكثر مطاطية وغنى بالجبن، أو استخدام الجبن الكريمي في المهلبية لإضفاء مزيد من الغنى عليها، والاستفادة من ملوحته لموازنة حلاوة هذه الحلوى الرائعة.


ما أنواع الأجبان الأمريكية التي تنصح الطهاة باستخدامها لإضافة قوام ونكهات جديدة إلى الأطباق المألوفة؟

أنصح بالتأكيد باستخدام الأنواع الأمريكية الأصلية، وهي:

  • مونتيري جاك (Monterey Jack): يتميز بنكهة معتدلة وقوام كريمي وزبدي وإحساس غني في الفم، مع مذاق يميل إلى الحموضة الخفيفة والملوحة البسيطة.
  • بيبر جاك (Pepper Jack): هو جبن مونتيري جاك مضاف إليه فلفل الهالابينو المخلل، ليمنحه درجة إضافية من الحرارة والنكهة الحارة.
  • كولبي (Colby): جبن برتقالي معتدل النكهة، ويقدم نتائج مشابهة لجبن الشيدر المعتدل.
  • كولبي جاك (Colby Jack): مزيج من جبني كولبي ومونتيري جاك، يجمع نوعين من الجبن في منتج واحد، ليمنح ألوانًا ونكهات إضافية وبتكلفة أقل.
  • الجبن الكريمي (Cream Cheese): ملك كعكات الجبن والحلويات، كما يمكن استخدامه في تطبيقات مالحة أخرى، مثل السندويشات الباردة والتغميسات، وحتى لتكثيف الصلصات ومنحها قوامًا كريميًا.


ما الأمور التي ينبغي للطهاة مراعاتها عند اختيار نوع الجبن لطبق معين؟

يؤدي كل نوع من الأجبان وظيفة مختلفة! فبعض الأنواع تكون أفضل للاستخدام في الصلصات، مثل الأجبان شبه الصلبة والصلبة كاملة الدسم، كالشيدر الحاد النكهة، وبيلا فيتانو (BellaVitano)، وأسياجو (Asiago) وغيرها. وهناك أنواع أخرى تناسب الإضافات المقرمشة على سطح الأطباق، مثل الأجبان الصلبة قليلة الدسم، كالبارميزان ومونتيري جاك المجفف وغيرها. وتُستخدم بعض الأجبان للحصول على قوام مطاطي وممتد عند الذوبان، مثل أجبان المعكرونة المصنوعة بتقنية الخيوط (Pasta Filata)، ومنها الموزاريلا والبروفولوني. أما الأنواع شبه الطرية كاملة الدسم، مثل مونتيري جاك وبيبر جاك والشيدر المعتدل والفونتينا، فتُستخدم للحصول على مظهر وقوام غني بالجبن الذائب والمطاطي. وأخيرًا، تُستخدم الأجبان الأمريكية المصنّعة كاملة الألبان في مطاعم الخدمة السريعة (QSR)، لضمان الحصول دائمًا على شريحة جبن ذائبة تحافظ على شكلها المثالي فوق البرغر.

وبما أن النكهات الأساسية الخمس هي الحلو والمالح والحامض والمر والأومامي، فإن تحقيق التوازن بين شدة النكهات يُعد أمرًا بالغ الأهمية في عالم الطهي. واختيار الجبن المناسب لنكهة طبق معين أمر سهل؛ فكلما زادت مدة تعتيق الجبن، أصبحت نكهته أكثر حدة وقوة. وخلال عملية التعتيق، يفقد الجبن جزءًا من رطوبته، ما يؤدي إلى زيادة تركيز نكهته.

يمكن تشبيه ذلك بالمرق المركز؛ فكلما زادت مدة اختزاله، ازدادت نكهته تركيزًا وقوة. لذلك، يكمن السر في تنسيق الجبن مع طبق يتمتع بمستوى مقارب من شدة النكهة؛ مثل كولبي جاك مع المسخّن، أو الجبن الكريمي مع فطائر السبانخ، أو الشيدر الحاد مع لحم البقر المعتّق جافًا. ويمكن أيضًا الجمع بين جبن كريمي غني بالدهون ومكوّن ذي نكهة قوية لتحقيق التوازن بين النكهات، مثل الماسكاربوني مع القهوة.


ما أبرز اتجاهات الطهي التي تشكّل مشهد الطعام في المملكة العربية السعودية ومنطقة الشرق الأوسط؟ وأين ترى مكانة الأجبان الأمريكية ضمن هذا المشهد؟

شهد مشهد الطعام في المملكة العربية السعودية نموًا سريعًا خلال السنوات الخمس الماضية، مع دخول العديد من سلاسل المطاعم العالمية ومفاهيم المطاعم الراقية إلى السوق. وتُعد مطاعم البرغر وشرائح اللحم من أكثر المفاهيم رواجًا في المملكة حاليًا، إذ تقدم تجارب تتراوح بين المطاعم غير الرسمية متوسطة المستوى والمطاعم الراقية ذات الطابع غير الرسمي، وتعتمد على مكونات جديدة ومأكولات تمزج بين مطابخ مختلفة.

وتناسب الأجبان الأمريكية هذه التوجهات تمامًا؛ إذ يمكن للأجبان الطبيعية المتنوعة، والأجبان الأمريكية المصنّعة كاملة الألبان، والأنواع الأمريكية الأصلية، أن تساعد هذه المطاعم على الارتقاء بأطباقها وتطوير تجاربها في الطهي.


ما التجربة الطهوية أو الطبق المميز الذي قُدّم خلال أمسية الطهي في الرياض؟ وماذا
اكتشف الضيوف عن الأجبان الأمريكية من خلالها؟

خلال عشاء سلسلة فعاليات الطهي بالأجبان الأمريكية (USA Cheese Culinary Series)، الذي أُقيم في مطعم حبرا (Habra) بتاريخ 7 أكتوبر 2026، كانت الأطباق المميزة المقدمة هي: تغميسة البطاطا الحلوة المشوية مع الماسكاربوني بنكهة الميسو والقهوة، وأضلاع اللحم المغطاة بطبقة مقرمشة من الشيدر، وبراونيز بيبر جاك والتمر والتفاح.

وقد أبرزت الأطباق الثلاثة مدى تنوع استخدامات الأجبان الأمريكية عمومًا، والأنواع الأمريكية الأصلية على وجه الخصوص. واختبر الضيوف كيف أسهم الجبن في خدمة كل طبق؛ إذ ساعد على موازنة شدة النكهات، وأضاف إليه العنصر الكريمي والغني بالجبن، وعزز حضور التوابل، ومنح الطبق عمقًا إضافيًا في الوقت نفسه.


كيف يمكن استخدام الأجبان الأمريكية بطرق أكثر إبداعًا في الطهي اليومي؟

لا تقتصر استخدامات الأجبان الأمريكية على السندويشات والبرغر والبيتزا والمعكرونة! أقول دائمًا للطهاة المنزليين أن ينظروا إلى الجبن باعتباره نوعًا من التوابل التي تضيف النكهة، وليس مجرد مكوّن يوضع فوق الطعام. فالأجبان الأمريكية يمكن أن تكون المكوّن الرئيسي في الطبق أو اللمسة النهائية التي تكمله، كما أنها تناسب مختلف المطابخ بفضل تنوع استخداماتها ومرونتها.

وفي الأطباق المالحة، غالبًا ما تكون كمية صغيرة من الجبن هي السر وراء إضافة ذلك العمق الإضافي اللذيذ إلى النكهة. كما أن الجبن يؤدي دورًا مميزًا في الحلويات أيضًا، إذ يوازن حلاوتها ويضيف إليها لمسة غير متوقعة. ومن الحلويات المفضلة لدي البراونيز المحضرة بجبن بيبر جاك والتمر والتفاح؛ فالحرارة الخفيفة والقوام الكريمي للجبن ينسجمان بصورة رائعة مع حلاوة الفاكهة ونكهة الكاكاو.

أما نصيحتي فهي أن تبدأوا بالتجربة خطوة بخطوة. أضيفوا قليلًا من الشيدر المعتّق المبشور إلى حسائكم المقبل، أو فتّتوا بعض الجبن الأزرق فوق الخضروات المشوية. تذوقوا الطعام خلال التحضير واستمتعوا بالتجربة. فكثيرًا ما تأتي أفضل التنسيقات والنكهات من قدر بسيط من الفضول والرغبة في تجربة مكونات ونكهات جديدة داخل المطبخ.

شارك على: