تتجذر في الوجدان الشعبي ثقافة استخدام المكسرات والفواكه المجففة في حلويات الشتاء بوصفها طقسًا يتجاوز حدود الطعام ليصل إلى عمق الهوية الاجتماعية. يرتبط هذا الموروث بتفاعل الإنسان القديم مع دورات الطبيعة، حيث فرض الشتاء القارس ضرورة البحث عن مصادر طاقة تمنح الجسم الدفء والقدرة على الصمود. تطورت هذه الحاجة البيولوجية بمرور الزمن لتصبح فنًا قائمًا بذاته، تتناقله الأجيال كجزء من أدبيات الضيافة والكرم الأصيل، مما جعل من هذه المكونات ركيزة أساسية لا تغيب عن المائدة العربية في الليالي الباردة.
١- حكمة التخزين القديمة
فرضت الطبيعة القاسية في الماضي نمطًا معينًا للغذاء، فابتكر الأجداد طرقًا لحفظ خيرات الصيف من ثمار التين والمشمش والعنب عبر تجفيفها لتكون زادًا في فصول القحط. تداخلت هذه الممارسة مع ثقافة استخدام المكسرات والفواكه المجففة في حلويات الشتاء نتيجة لسهولة تخزين هذه المواد من دون الحاجة لوسائل تبريد معقدة. اعتمدت الأسر العربية على هذه المخزونات لتحويلها إلى أصناف من الحلويات التي تمدّ الجسم بالسعرات الحرارية العالية. ممّا جعل من رائحة التحميص وعبق الفواكه المطبوخة مع السكر والبهارات علامة فارقة تعلن قدوم المربعانية والشتاء.
٢- القيمة الغذائية والفيزيولوجية
يؤكد العلم الحديث ما أدركه الأقدمون بالفطرة حول أهمية الدهون الصحية والسكريات الطبيعية في مواجهة انخفاض درجات الحرارة. تعزز ثقافة استخدام المكسرات والفواكه المجففة في حلويات الشتاء من كفاءة الجهاز المناعي، حيث تحتوي المكسرات زيوت عطرية وأوميغا 3، بينما تفيض الفواكه المجففة بالألياف والمعادن. يساهم تناول هذه الحلويات في تحفيز هرمونات السعادة، مما يخفف من وطأة الكآبة التي قد تصاحب الأيام الغائمة والطويلة، ويجعل من استهلاكها ضرورة صحية ونفسية قبل أن تكون مجرد رفاهية تذوق.

٣- الرمزية الاجتماعية للضيافة
تشكل الليالي الطويلة فرصة ذهبية للاجتماع العائلي والسمر، وهنا تبرز ثقافة استخدام المكسرات والفواكه المجففة في حلويات الشتاء كعنصر جامع حول “الكانون” أو الموقد. يمثل تقديم أطباق مثل “الخُشاف” أو “المعمول” أو “اللزاقيات” المزيّنة بالجوز واللوز قمة التقدير للضيف، ويعكس سخاء رب المنزل واهتمامه بالتفاصيل. تحولت هذه الأصناف إلى لغة تواصل غير محكية، تعمق الروابط الأسرية وتخلق ذكريات بصرية وشمية ترتبط في أذهان الأبناء بروح العائلة وتماسكها في مواجهة عواصف الشتاء.
٤- الاستدامة والتجدد الثقافي
لم تقف هذه العادة عند حدود الماضي، بل استمرت ثقافة استخدام المكسرات والفواكه المجففة في حلويات الشتاء في التطور لتلائم الذائقة العصرية مع الحفاظ على جوهرها الأصيل. يلاحظ المتابع للمطبخ المعاصر كيف تم دمج هذه المكونات التقليدية في وصفات مبتكرة تجمع بين الأصالة والحداثة، مما يضمن بقاءها حية في وجدان الأجيال الجديدة. يساهم هذا الاستمرار في حماية الهوية الثقافية من الذوبان، ويؤكّد أن ما بدأ كحاجة للبقاء تحول إلى إرث حضاري يعتز به المجتمع ويفاخر بتقديمه كجزء من هويته الغذائية الفريدة.



