طرق تحضير الخبز المسطح قديمًا كما عرفتها الجدّات وحفظها التراث

يُعدّ الخبز المسطح ركيزةً أساسيةً في موائدنا الشرقية، وحكايةً ترويها الأجيال عن زمنِ البركة والبساطة. ارتبط هذا النوع من الخبز بهوية الأرض، فكان يخرج من بين يديّ الجدّات معطرًا برائحة الحطب، ومجبولًا بعرق الجبين والصبر الجميل. استعملت النساء قديمًا أدواتٍ بدائية لكنها فعالة، فحوّلن الطحين والماء إلى أرغفةٍ تشبع الجائع وتجمع العائلة حول مائدة واحدة.

١- اختيار الحبوب وطحنها

يبدأ العمل الشاق من اختيار أجود أنواع القمح البلدي، حيث تنظف النساء الحبوب بعناية من الشوائب قبل نقلها إلى المطحنة الحجرية أو استخدام “الرحى” المنزلية. تُنتج هذه العملية طحينًا كاملًا يحتوي كافة العناصر الغذائية، مما يمنح الخبز المسطح طعمًا غنيًا وقوامًا متماسكًا. يُنخل الطحين بمناخل قماشية دقيقة لفصل القشور الكبيرة، ويُجهز في أوعية خشبية واسعة تُسمى “اللقن” لضمان تهويته جيدًا قبل البدء بالعجن.

٢- العجن والتخمير الطبيعي

تعتمد الجدّات في صناعة الخبز المسطح على “الخميرة البلدية” التي تُحضَّر مسبقًا من عجينة سابقة تُترك لتتخمر طبيعيًا. يُسكَبُ الماء الدافئ تدريجيًا فوق الطحين، وتبدأ عملية العجن اليدوي القوي لضمان تماسك العجينة وليونتها في آن واحد. يحتاج العجين إلى وقتٍ كافٍ ليرتاح تحت أغطية صوفية دافئة، فتنمو البكتيريا النافعة وتتضاعف كتلته، مما يمنح الأرغفة نكهة حمضية خفيفة وقدرة عالية على الهضم، وهو ما يميز هذا الخبز عن المنتجات الحديثة.


٣- عملية الرق والتشكيل

تتطلب مرحلة تشكيل الخبز المسطح مهارة فائقة في استخدام “الشوبك” أو الرق باليدين لتصل الأرغفة إلى السُمك المطلوب. تُقطَّع العجينة إلى كرات متساوية، وتُفرَد على أسطح خشبية مرشوشة بالطحين لمنع الالتصاق. تبرز هنا مهارة “اللوح” أو “المخدة” التي تُستخدم لنقل الرغيف من مكان التشكيل إلى بيت النار، مع الحرص على الحفاظ على شكل الرغيف دائريًا ومنتظمًا، لضمان نضجه بشكل متساوٍ من جميع الجهات.

٤- أسرار الخبز فوق النار

تتعدد طرق الطهي حسب المنطقة، فيبرز “الصاج” المعدني أو “التنور” الفخاري كأدوات أساسية لإنضاج الخبز المسطح. يُشعل الحطب والأغصان الجافة لتوليد حرارة عالية ومنتظمة، ثم يُوضع الرغيف فوق السطح الساخن بلمحة بصر. تظهر الفقاعات الذهبية على سطح العجين، وتنبعث رائحة الشواء التي تملأ الأرجاء، ليخرج الرغيف في النهاية طريًا، يحمل آثار النار والدخان التي تمنحه مذاقًا لا يُقاوم ولا يمكن تكراره في الأفران الكهربائية.

شارك على: