يعد الشيف كيونغ سو مون قامة استثنائية في عالم الطهي العالمي، حيث تمتد مسيرته الحافلة لأكثر من اثنين وعشرين عاماً من الإبداع المتواصل. انطلقت رحلته من الجذور التقليدية العريقة لفنون إيدوماي سوشي وكايسيكي في كوريا، ليتنقل بعدها بين كبرى عواصم التذوق من دبي وسنغافورة وصولاً إلى أستراليا، حاصداً جوائز مرموقة كأفضل شيف مُلهِم. واليوم، يقود مون رؤية مطعم هانو، مقدماً تجربة طهوية فريدة تدمج الدقة اليابانية الصارمة بالدفء الكوري الأصيل، ليعيد تعريف مفهوم الفخامة والمشاركة الإنسانية على المائدة بأسلوب عصري يبهر الحواس.
بدأت رحلتك مع الجذور التقليدية لفنون إيدوماي سوشي وكايسيكي في كوريا. كيف تدمج هذه الدقة اليابانية الصارمة اليوم في رؤية هانو للمطبخ الكوري الحديث؟
كانت تدريباتي المبكرة في فنون إيدوماي سوشي وكايسيكي تتمحور حول المنهجية الذهنية أكثر من كونها مجرد وصفات؛ فهي ترتكز على الانضباط، واحترام المكونات، والاهتمام البالغ بأدق التفاصيل. في هانو، أنقل هذه الفلسفة اليابانية ذاتها إلى المطبخ الكوري. وهذا يعني أننا لا نقوم بمجرد طهي المكون، بل نتعامل معه بنية حقيقية، لضمان أن يكون لكل نكهة قوية هدف واضح على الطبق. يعتقد البعض أن الدقة تقيد الإبداع، لكن بالنسبة لي هي العكس تماماً؛ فهي القاعدة التي تمنحي الحرية للابتكار. نحن نحافظ على وفائنا للجذور الكورية التقليدية، لكننا نصقل طريقة إحيائها لتقديم شيء لم تشهده دبي من قبل.
بعد تنقلك بين مراكز الطهي العالمية، من دبي وسنغافورة إلى أستراليا، ما هو العنصر الثقافي الأبرز الذي اكتسبته وغير نظرتك الشخصية تجاه النكهة العالمية؟
لقد علمني التنقل بين أماكن مثل سنغافورة وأستراليا ودبي أنه بينما تظل كيمياء النكهة —ذلك التفاعل الفوري مع الملح أو الحرارة أو الأومامي— عالمية، فإن السياق يغير كل شيء. لكل ثقافة طريقتها الخاصة في التذوق، والتتبيل، والتواصل مع الطعام. رؤية ذلك بشكل مباشر جعلتني أعيد التفكير في كيفية تعاملي مع التوازن، والقوام، والرائحة؛ لقد سمح لي ذلك بتكييف الأطباق الكورية لترتبط حقاً مع جمهور دولي دون أن تفقد روحها. بالنسبة لي، النكهة العالمية لا تتعلق بدمج المطابخ، بل بفهم كيفية جعل المكون يتحدث إلى شخص ما، بغض النظر عن المكان الذي ينتمي إليه.
خلال فترة عملك في كيسومي بأستراليا، نجحت في دمج النزاهة اليابانية مع الحساسية الأسترالية. ما هي التحديات التي تواجهها عند محاولة الحفاظ على نزاهة المكون مع تكييفه ليناسب ذوق جمهور عالمي متنوع؟
التحدي الحقيقي يكمن في البقاء وفياً للمكون أثناء تقديمه لأشخاص قد لا يكونوا قد نشأوا على تذوقه. بعض القوامات أو التوابل الكورية التقليدية قد تكون مكثفة لمن يجربها لأول مرة، لذا فإن مهمتي هي إيجاد طريقة لجعلها قريبة من ذوقهم دون تجريدها مما يجعلها مميزة. إنه توازن بين الابتكار والأصالة؛ فأنت لا تريد تخفيف النكهة، بل تريد وضعها في إطار يساعد الشخص على اكتشافها والوقوع في حبها للمرة الأولى.
تؤكد رؤيتك لـ هانو على تجربة الطعام التشاركية. كيف تعيد تعريف هذا العرف الكوري التقليدي ليتماشى مع معايير الفخامة العصرية والطعام الراقي؟
لطالما كانت المائدة الكورية تتمحور حول المشاركة والتواصل. في هانو، نأخذ هذه الروح وننقلها إلى أجواء الطعام الراقي عبر التركيز على التفاصيل. نحن نستخدم مكونات نادرة مثل لحم كوبي وهانو الكوري، ونركز على تقديم الطبق كعمل فني، ولكن يبقى جوهر الوجبة هو التفاعل الإنساني. كل طبق مصمم ليكون شرارة للحوار، مما يخلق تجربة تبدو حميمية وراقية، ومع ذلك تحافظ على تلك الطاقة الحيوية والتشاركية التي تجعل الطعام الكوري مميزاً للغاية.
تم تكريمك كأفضل شيف مُلهِم للعام في 2014. بعد 22 عاماً في هذه الصناعة، ما هي أهم رسالة تسعى لغرسها في الجيل القادم من الطهاة الذين يطمحون لمحاكاة مسيرتك الدولية الحافلة بالجوائز؟
أقول دائماً للطهاة الشباب إن الفضول والاحترام هما نقطة البداية لكل شيء. يجب أن تملك الانضباط الكافي لتتعلم من كل مطبخ تدخله، ولكن لا تترك تلك التأثيرات تطمس صوتك الخاص. الابتكار الحقيقي لا يحدث إلا بعد أن تفهم التقاليد حقاً، والنجاح الحقيقي يأتي من الاستمرارية والشغف والكرم الذي تقدمه كل يوم خلف منصة التحضير. هدفي هو إلهام الجيل القادم للتعامل مع الطعام بنفس الفرح والنزاهة اللذين وجها رحلتي الخاصة، وتذكر دائماً أن الضيافة تتعلق بالتجربة التي تشاركها، وليس فقط بالطبق الذي تقدمه.



