كيف أصبح طبق الشرشم جزءًا من الذاكرة الشعبية؟

يحتل طبق الشرشم مكانةً مرموقة في عمق التراث المغاربي، حيث يمثّل أكثر من مجرد وجبة غذائية، بل هو رمزٌ للخصوبة والأرض. تبرز أهمية هذا الطبق في المناسبات الموسمية، خاصّةً مع حلول السنة الأمازيغية أو “الناير”. إذ يجتمع الأهل حول مائدة تعبق برائحة الحبوب المغلية، معلنةً عن بداية دورة زراعية جديدة تفيض بالخير والبركات.

١- جذور ضاربة في التاريخ

يعود أصل طبق الشرشم إلى عصور قديمة ارتبطت بحياة المزارع والأرض. تتكون هذه الوصفة أساسًا من القمح الصلب والحمص والفول المجفف، وهي مكونات ترمز في الموروث الشعبي إلى الوفرة والقوة. تتناقل الأجيال سرّ تحضيره، حيث يتطلب الأمر نقع الحبوب ليلة كاملة حتى تلين، ثم طهيها في قدور فخارية تحافظ على النكهة الأصلية التي لم تتغير رغم مرور القرون.

٢- طقوس التحضير والبركة

ترافق عملية إعداد طبق الشرشم طقوسًا تملؤها البهجة والنية الطيبة. تفضل العائلات إضافة بعض المنكهات الطبيعية والبهارات التي تمنح المرق قوامًا دافئًا ولونًا يسرّ الناظرين. يسود الاعتقاد بأن تقديم هذا الطبق في الأيام الأولى من الشتاء يطرد النحس ويجلب الرزق. مما يجعله محوريًا في لمّ شمل الأقارب والجيران، حيث توزع الأطباق على البيوت كنوع من التكافل الاجتماعي المتجذر.


٣- فوائد غذائية وصحية

يمنح طبق الشرشم الجسم طاقة هائلة بفضل احتوائه على نسبة عالية من الألياف والبروتينات النباتية. تساعد هذه المكونات على الشعور بالشبع والدفء خلال الليالي الباردة، مما يجعله الخيار الأمثل في المناطق الجبلية والريفية. تؤكد الدراسات الحديثة ما عرفه الأجداد بالفطرة، إذ تساهم هذه الحبوب الكاملة في تعزيز صحة الجهاز الهضمي وتزويد الفرد بالمعادن الأساسية التي يحتاجها النشاط اليومي الشاق.

٤- حضور في الذاكرة المعاصرة

يقاوم طبق الشرشم الحداثة ويحافظ على بريقه في المطابخ العربية والمغاربية الحديثة. تحرص ربات البيوت على إحياء هذه العادة سنويًا لغرس قيم الانتماء في نفوس الأبناء، وضمان عدم اندثار هذه الهوية الثقافية. يظهر الطبق اليوم في المهرجانات الثقافية واللقاءات التراثية كشاهد حي على عبقرية المطبخ الشعبي الذي استطاع تحويل أبسط المكونات إلى مأدبة فخمة تروي قصص الصمود والارتباط بالأرض.

شارك على: