قد يبدو دجاج تكا ماسالا للوهلة الأولى طبقًا هنديًا لا يحتاج إلى تعريف، لكن حكايته أكثر تعقيدًا من اسمه. فالدجاج المتبل باللبن والتوابل والمشوي على طريقة التكا ينتمي بوضوح إلى تقاليد مطبخ شبه القارة الهندية، بينما ترتبط الصلصة الكريمية بالطماطم التي اشتهر بها الطبق الحديث بسياق آخر نشأ في بريطانيا، وسط مطاعم يديرها مهاجرون من جنوب آسيا. ولهذا لم يستقر تاريخ الطبق على رواية واحدة: فهناك من يربطه بغلاسكو في سبعينيات القرن العشرين، ومن يرى أنه تطور تدريجيًا داخل المطاعم البريطانية، فيما تشير وصفات أقدم إلى وجود أطباق هندية قريبة منه قبل ذلك.
التكا أقدم من الماسالا
لفهم الحكاية، يجب أولًا الفصل بين كلمتي «تكا» و«ماسالا». فالتكا هو قطع من اللحم، وفي نسخته الأشهر تُنقع قطع الدجاج في اللبن والتوابل ثم تُطهى في فرن التندور، وهي طريقة راسخة في مطابخ شبه القارة الهندية.
أما «ماسالا»، فهي ليست اسم طبق بعينه، بل تعبير يشير إلى مزيج من التوابل أو إلى صلصة متبلة بحسب السياق. وعندما اجتمعت الكلمتان في الطبق المعروف اليوم، أصبحتا تصفان قطع الدجاج المشوية المغطاة بصلصة غنية، غالبًا ما تجمع الطماطم والكريمة والتوابل.
وهنا تبدأ المسافة بين دجاج تكا التقليدي ودجاج تكا ماسالا الذي عرفته المطاعم البريطانية وأصبح لاحقًا طبقًا عالميًا.
رواية غلاسكو.. الحكاية الأكثر شهرة
أشهر الروايات تربط ولادة النسخة الحديثة من الطبق بمدينة غلاسكو الاسكتلندية، وبالشيف الباكستاني علي أحمد أسلم، والذي بحسب روايته، اشتكى أحد الزبائن من جفاف دجاج التكا، فابتكر أسلم صلصة لإضافة المزيد من الرطوبة والنكهة إلى الطبق. وتروي الرواية أن الصلصة تضمنت الطماطم والتوابل، فيما ارتبطت القصة في روايات لاحقة باستخدام حساء الطماطم المكثف المعلب. ومن هذه اللحظة، يُقال إن النسخة التي نعرفها اليوم من تكا ماسالا بدأت رحلتها.
لكن هذه القصة، رغم شهرتها وانتشارها، لا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة تاريخية محسومة. فقد ظهرت ادعاءات أخرى من مطاعم وطهاة في بريطانيا، كما شكك مؤرخون في إمكانية تحديد شخص واحد أو مطعم واحد بوصفه مخترع الطبق.

هل اخترعته بريطانيا فعلًا؟
ربما يكون الجواب الأقرب إلى الدقة: النسخة الحديثة من الطبق تبدو مرتبطة بقوة بالمطبخ البريطاني الجنوب آسيوي، لكن لحظة اختراعه الأولى لا يمكن إثباتها بشكل قاطع.
فقد خلص مؤرخا الطعام بيتر وكولين غروف إلى أن الطبق اخترع في بريطانيا، وربما على يد طاهٍ بنغلاديشي، في سياق المطاعم التي أسسها مهاجرون من جنوب آسيا. وفي بريطانيا خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، تطورت مطاعم «الكاري» لتقدم أطباقًا جديدة تتأثر بالمكونات والأذواق المحلية، إلى جانب الأطباق القادمة من تقاليد شبه القارة الهندية.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو دجاج تكا ماسالا طبقًا بريطانيًا بمعنى أنه منفصل عن الهند، ولا هنديًا بمعنى أنه انتقل إلى بريطانيا كما هو؛ بل هو مثال واضح على مطبخ تشكل نتيجة الهجرة والتبادل الثقافي والتكيف مع ذائقة جديدة.
طبق وُلد من الهجرة
ربما تكمن أهمية دجاج تكا ماسالا الحقيقية في أنه يجسد قصة أوسع من قصة وصفة واحدة. فقد نشأت المطاعم التي حملت اسم المطاعم الهندية في بريطانيا في جزء كبير منها على أيدي مهاجرين من باكستان وبنغلاديش ومناطق أخرى من جنوب آسيا، وهو ما جعل المطبخ الذي تقدمه هذه المطاعم مساحة للتجربة والتكيف.
كانت النتيجة أطباقًا لا تنتمي بالكامل إلى مطبخ واحد، لكنها تحمل آثار أكثر من ثقافة في الوقت نفسه. ومن هنا يمكن فهم طبق دجاج تكا ماسالا بوصفه نتاجًا للمطبخ الجنوب آسيوي في المهجر، بقدر ما هو طبق يستند إلى تقنيات ومذاقات هندية أقدم.

لماذا أصبح طبقًا بريطانيًا بهذا الحضور؟
ساعدت المطاعم البريطانية في تحويل تكا ماسالا إلى واحد من أشهر أطباق الكاري في البلاد. وبمرور الوقت، تجاوز الطبق حدود المطعم ليصل إلى الوجبات الجاهزة والطبخ المنزلي والأسواق العالمية.
حتى إن وزير الخارجية البريطاني السابق روبن كوك وصفه عام 2001 بأنه مثال على طبيعة بريطانيا الحديثة المتعددة الثقافات، في إشارة إلى الطريقة التي أصبحت بها أطعمة المهاجرين جزءًا من الهوية اليومية للبلاد.
وهكذا لم يعد السؤال فقط: «من اخترع الطبق؟»، بل أصبح: كيف يمكن لطبق ذي جذور جنوب آسيوية أن يتحول إلى رمز من رموز المطبخ البريطاني المعاصر؟
من طبق مختلف عليه إلى طبق عالمي
اليوم، يصعب حصر دجاج تكا ماسالا في بلد واحد. فقد خرج من مطاعم بريطانيا إلى قوائم الطعام حول العالم، وتعددت وصفاته ودرجات توابله وقوام صلصته بحسب المكان والطاهي.
وهذا ربما هو سر بقاء الطبق حاضرًا: ليس لأنه يمثل نسخة نقية من مطبخ واحد، بل لأنه يحمل في تركيبته قصة التغيير نفسها. قطع دجاج تنتمي إلى تقليد قديم، وصلصة تشكلت في سياق حديث، ومطبخ مهاجرين استطاع أن يحول التكيف مع بلد جديد إلى طبق ذائع الصيت.
وفي النهاية، إذا كان لا بد من إجابة عن سؤال العنوان، فالأكثر دقة أن نقول: دجاج تكا ماسالا ليس اختراعًا بريطانيًا خالصًا ولا طبقًا هنديًا تقليديًا بالمعنى الصارم؛ بل هو طبق بريطاني-جنوب آسيوي الجذور، نشأ في منطقة رمادية بين المطبخين، وما زال أصل وصفته الأولى موضع جدل. وهذا تحديدًا ما يجعل حكايته أكثر إثارة من مجرد معرفة اسم المدينة التي يُنسب إليها اختراعه.



