أصل طبق الشكشوكة كما لم يُروَ في كتب المطبخ

يحتل طبق الشكشوكة مكانة مرموقة في ذاكرة الشعوب العربية، حيث يمثل هذا الطبق الشعبي رمزًا للبساطة والذكاء في استغلال خيرات الأرض. تزدحم الموائد العربية بهذا المزيج المتناغم من البيض والطماطم، لكن يغيب عن الكثيرين التاريخ العميق الذي يلف هذا الطبق العريق. يبرز البحث في أصل طبق الشكشوكة رحلة طويلة عبر الزمن، بدأت من المطابخ التقليدية لتصل إلى أرقى المطاعم العالمية، واحتفظت في كل محطة بعبق الأصالة ودفء المنازل. تنجذب المرأة الباحثة عن الجودة إلى هذا الطبق ليس فقط لمذاقه، بل لكونه يجسد تراثًا غنيًا يجمع بين الصحة واللذة بأسلوب طهي فريد وسريع.

١- الجذور المغاربية

تؤكد الدراسات التاريخية أن أصل طبق الشكشوكة يعود إلى منطقة المغرب العربي، وتحديدًا تونس، حيث يرمز الاسم في اللغة الأمازيغية إلى “الخليط” أو “المزيج”. تبتكر النساء في تلك المناطق طرقًا مذهلة لدمج الخضروات الصيفية مع الفلفل الحار والبيض، مما يخلق وجبة متكاملة العناصر الغذائية. يعكس هذا الانتشار الجغرافي الواسع قدرة الطبق على التكيف مع البيئات المختلفة، إذ يمثل أصل طبق الشكشوكة في الوجدان المغاربي روح المشاركة والارتباط بالأرض، حيث تُطبخ في مقلاة واحدة تُجمع حولها القلوب قبل الأيادي.

٢- الارتباط العثماني

يظهر تأثير المطبخ العثماني جليًا عند تتبع أصل طبق الشكشوكة، إذ يرى مؤرخون أن الطبق تطور من “المنمن” التركي أو أطباق الخضروات المطهوة مع اللحم في العصر السلطاني. انتقلت هذه الثقافة عبر التجارة والفتوحات، فامتزجت النكهات التركية بالتوابل المحلية في بلاد الشام ومصر. يبرز هذا التلاقح الثقافي كيف تحول الطبق من وجبة بسيطة إلى أيقونة عابرة للحدود، ويؤكد أن أصل طبق الشكشوكة هو نتاج حضارات متعاقبة أضافت كل منها لمستها الخاصة من التوابل والتقنيات، مما جعلها تتربع على عرش وجبات الإفطار والعشاء في المنطقة.


٣- الهوية التونسية

تتمسك تونس بكونها المنبع الأساسي الذي صاغ أصل طبق الشكشوكة بشكله المعاصر، حيث تختلف المكونات باختلاف المواسم والمدن. تُحضَّر الشكشوكة التونسية بعناية فائقة باستخدام زيت الزيتون البكر والهاريسة الحارة، وتُضاف إليها أحيانًا “القديد” أو النقانق لتعزيز المذاق. يوضح هذا التنوع أن أصل طبق الشكشوكة ليس ثابتاً، بل هو كائن حي يتنفس ثقافة المكان، وتعتبره المرأة التونسية سرًّا من أسرار المطبخ الذي يجمع بين التوفير والرفاهية الحسية، مما يمنح المائدة طابعًا شعبيًا أصيلًا لا يضاهى.

٤- الانتشار العالمي

يتجاوز أصل طبق الشكشوكة اليوم حدود الجغرافيا العربية، حيث يغزو المطابخ الأوروبية والأمريكية كوجبة “برنش” صحية وفاخرة. تتبنى المطاعم العالمية هذا الطبق بأسماء مختلفة، لكن تظل الروح الشرقية هي المهيمنة على جوهر التجربة. يعزز هذا الانتشار من قيمة الموروث العربي، ويجعل من البحث في أصل طبق الشكشوكة رحلة استكشافية ممتعة، حيث يكتشف العالم من خلالها أن البساطة هي قمة الرقي، وأن طبقًا واحدًا قادمًا من أزقة تونس العتيقة يمكنه أن يوحد أذواق البشر حول العالم.

شارك على: